حتى لا ننسى.. عبد الكبير الخطيبي “الذاكرة الموشومة” - 24 ساعة
تاريخ المغربواجهة

حتى لا ننسى.. عبد الكبير الخطيبي “الذاكرة الموشومة”

عبد الرحيم زياد

“حتى لا ننسى” هي سلسة تلتقون معها عبر موقع “24 ساعة ” الإخباري، تسعى إلى تسليط الضوء على وجوه وأسماء بصمت بأفكارها وكلماتها ذاكرة الفن والفكر والثقافة المغربية ، وتستحضر في حلقتها الأولى مسار المفكر وعالم الاجتماع المغربي “عبد الكبير الخطيبي ”

يريد الآخرون أن يؤطروني في خانة ما، والحال أني ممتهن لقياس المساحات..

– عبد الكبير الخطيبي

ترك الأديب والمفكر وعالم الاجتماع المغربي عبد الكبير الخطيبي بصمة أدبية وفكرية متميزة في الأوساط الثقافية المغربية و الأجنبية، فصداقته وسجالاته مع مفكرين وفلاسفة من مختلف الجنسيات، أثبتت أنه متشرب من عدة حقول معرفية، وهذا ما جعله يشيّد صرحا فكريا قائما على تفكيك ونقد النموذجين العربي والأجنبي على حد سواء.

من الصعب الحديث عن عبد الكبير الخطيبي وإنتاجاته الفكرية والأدبية في هذا الحيز الزمني، لكونه ترك خزانة من المؤلفات الغنية بالمفاهيم والآليات النقدية التي يحتاجها كل مفكر، عربيا كان أو أجنبيا. فتنقله بين عدة حقول معرفية متعددة ، بين الأدب والسوسيولوجيا والفلسفة والأدب والفن والسيميولوجيا، وهذا ما أكسبه صداقات مع مفكرين وقامات علمية وأدبية، على رأسهم جاك دريدا، رولان بارت، إدوارد سعيد، محمود درويش، بول باسكون.. وغيرهم.

اكتسب الخطيبي شهرة واسعة، لا سيما خارج المغرب بسبب مشروعه الموسوم بـ”النقد المزدوج”، حيث اعتمد فيه آلياته السوسيولوجية والتفكيكية لنقد الذات ونقد الآخر. وقد نشر كل أعماله، التي فاقت 25 مؤلفا باللغة الفرنسية.
ولد الخطيبي في يوم 11 من شهر فبراير من العام 1938 بمدينة الجديدة، المناسب في تلك السنة ليوم عيد الأضحى (العيد الكبير)،كما يسميه مما جعل والده يطلق عليه اسم « عبد الكبير » تيمنا بهذا اليوم.

الطفل عبد الكبير وهو ثاني طفل من أبناء أسرة دكالية مكونة من 3 ذكور وبنتين والده كان متعلّما من أصول فاسية وإماما لمسجد، مارس مهنة التجارة واستقر به الحال بمدينة الجديدة سنة 1930، ويتزوج بعد ذلك من السيدة “عائشة” ابنة لـ “امْعَلَّم ” بارع في فن الزليج المغربي، هذا الفن الذي خلف آثارا هامة في حياة الخطيبي الابداعية بعد ذلك.

مسار دراسي من درجة دكتور

بدأ الشاب عبد الكبير أقسامه الابتدائية بالجديدة، ثم التحق بإعدادية سيدي محمد بمراكش عام 1950 كتلميذ داخلي، قبل أن يعرج على ثانوية ليوطي الفرنسية بالدارالبيضاء للحصول على الباكالوريا عام 1957.

سنة 1959 وبجامعة السوربون الفرنسية سينخرط مبكرا في حركة اشتراكية مغربية للطلبة المتجمعين حول لاتحاد الوطني لطلبة المغرب من هناك بدأت هوايته بالكتابة في جريدة « المُفَقّْه »، و حصل على الدكتوراه عام 1965 حول حول بحث معنون ب « الرواية المغاربية ».

ولدى عودته الى المغرب سنة 1964 تقلد مسؤولية إدارة معهد السوسيولوجيا بالرباط، لتقوم السلطات المغربية بإغلاقه بعدما شككت في كون المعهد يقوم بالتأثير وبتأطير الطلبة المعارضين للنظام .

مسار أكاديمي متميز

تقلد الخطيبي عدة مناصب أكاديمية، حيث شغل أستاذا جامعيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، ثم مديرا لمعهد السوسيولوجيا السابق بنفس المدينة، ليعين بعدها مديرا للمعهد الجامعي للبحث العلمي،.
كما انضم عبد الكبير الخطيبي مبكرا إلى اتحاد كتاب المغرب في ماي عام 1976، ثم عمل رئيسا لتحرير ومديرا لمجلة « علامات الحاضر » .

مسار أدبي استثنائي

كان منهج الخطيبي « استثنائيا » في العالم العربي، فالكتابة بالنسبة إليه مغامرة تقتضي تفكيك الأشياء وممارسة النقد المزدوج للتراث ولمعرفة الآخرين،

وتقتضي إلغاء الحدود المصطنعة بين الأجناس الأدبية وبين أنواع الكتابة

حيث قال عنه رولان بارت ” إنني والخطيبي نهتم بأشياء واحدة، بالصور والأدلة والآثار، وبالحروف والعلامات، وفي الوقت نفسه يعلمني الخطيبي جديداً، يخلخل معرفتي، لأنه يغيّر هذه الأشكال، كما أراه يأخذني بعيدا عن ذاتي، إلى أرضه هو، في حين أحسّ كأني في الطرف الأقصى من نفسي”

وفي نفس السياق، يقول عنه الروائي محمد برادة: ” إن نقد الرواية جزء من مغامرة الكتابة عند الخطيبي، وهو عندما نشر دراسته عن الرواية في بلدان المغرب العربي عام 1968، كانت معظم الدراسات النقدية المكتوبة باللغة العربية تتخذ من النقد وسيلة لإمرار بعض التصورات الأيديولوجية المسبقة، أو لتكرار وصفات مدرسية عن المذاهب والاتجاهات الأدبية “.
مؤلفات الخطيبي الشاملة شملت الفن والأدب أيضا..

لم يكن الخطيبي مجرد عابر سبيل في دنيا الحرف و السؤال، بل كان منتجا و مؤسسا لكثير من الرؤى، يرتحل من قارة إلى أخرى، و من سجل ثقافي إلى آخر، من السوسيولوجيا إلى الأدب، من التاريخ الى التشكيل، من التحليل النفسي إلى الشعر والقص اللذيذ،

كان كمن يريد القبض على سر الانتماء، كما يهفو إلى اكتشاف كيمياء الحياة، لهذا كان يرتحل فكريا و إبداعيا مُجَرّبا مسارات مختلفة وفق عناوين ذكية موحية تفوق 25 عملا، تتوزع على الذاكرة الموشومة، النقد المزدوج، الإسم العربي الجريح، صيف في ستوكهولهم، الرواية المغاربية، تفكير المغرب، فن الخط العربي و كتاب الدم، و هي بعض من عناوين ترجم المكتوب منها بالفرنسية إلى اللغات العربية والإنجليزية والإسبانية والإيطالية والألمانية واليابانية،

هذه الانتاجات الرصينة أهلته للفوز بعدة جوائز منها، جائزة الأدب في الدورة الثانية لمهرجان « لازيو بين أوروبا والبحر الأبيض المتوسط » في إيطاليا، عن مجمل أعماله، وجائزة « الربيع الكبرى » التي تمنحها جمعية « أهل الأدب » الفرنسية.
رحيل رجل عظيم وسط جنازة نكران الجميل.

توفي عبد الكبير الخطيبي يوم 16 مارس من سنة 2009 في أحد مستشفيات الرباط، تاركا مساحات من الصمت والألم الرابض فوق الصدور، رحل عبد الكبير الخطيبي عن عمر يناهز71 عاما، بعد معاناة مع المرض.

رحل الخطيبي إلى دار البقاء، لكنه لم يرحل وسيظل سيظل حاضرا في أعماق مدمني الحرف و السؤال، بنقده المزدوج وذاكرته الموشومة، يعلمنا كيف يكون الانتماء و كيف تستمر الحياة ولو في عز التهميش والإقصاء والنسيان..

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق